البخاري

تصدير 15

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

ووفّق في معاشه ، مثل ما وفق في علمه ، فجمع من الثروة حظا وفيرا ، سلك في جمعه مسلكه في علمه ، وتحرز في كسبه كما تحرز في روايته ، وفارق الدنيا مطمئن القلب ، رضىّ النفس ، لا يقلقه خوف الحساب على شيء ممّا جمع ، ويروى تلميذه أحمد بن حفص : أنه دخل عليه عند موته ، فسمعه يقول : « لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة » . وما أعظم فضل اللّه على عباده الصالحين ، وما أجلّ منّته على هذا الرجل حين ارتضى نبله في خلقه ، وتوقّيه في علمه وكسبه ، وجعل آية رضاه أن كافأه في دنياه ، قبل مكافأته في أخراه ، ومنحه أعظم ما يمنح أولياءه من نجابة الأبناء ، ورزقه قبيل وفاته ولده أبا عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري ، صاحب كتاب « الجامع الصحيح » الذي نكتب له هذا التعريف ، فارتفع اسمه في الذكر لاقترانه باسم هذا الابن ، وسما معه إلى ذروة الشرف الرفيع . تنسّم محمّد بن إسماعيل البخاري أول نسمات الحياة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة 194 ه . وهذا ما يرويه معاصروه في تحديد مولده ، ويذكر المستنير بن عتيق : أن البخاري أخرج له هذا التاريخ مكتوبا بخطّ والده إسماعيل ، وإذن فلا عبرة بما يخالف ذلك من الروايات وإن كان الخلاف لا يعدو يوما واحدا سابقا على هذا التاريخ . وكان مولده ببخارى التي استوطنها جدّه المغيرة بعد إسلامه ، وهي مدينة كبيرة من بلاد التركستان ، على المجرى الأسفل لنهر . زرافستان ، فتحها المسلمون بعد منتصف القرن الأول الهجري ، ومنذ توطدت أقدامهم بها على يد مسلم بن قتيبة صارت واحدة من الحواضر